صلاح يقود مصر إلى إنجاز تاريخي في كأس العالم بركلة جزاء جريئة تحسم ركلات الترجيح
“فقط محمد صلاح.”
عبارة أصبحت مرادفة للنجم المصري الأسطوري محمد صلاح طوال مسيرته الكروية الحافلة.
خلال تسع سنوات ذهبية قضاها مع ليفربول، كانت هذه الكلمات تتكرر كلما حطم رقماً قياسياً جديداً. وفي كثير من الأحيان، عندما كان نجوم الدوري الإنجليزي الممتاز يحققون إنجازات لافتة، كانوا يكتشفون أن هناك ملاحظة واحدة ترافق إنجازهم: فقط محمد صلاح كان قد فعلها قبلهم أو بشكل أفضل.
فقط محمد صلاح كان يجري أكثر، أو يراوغ أسرع، أو يسدد بدقة أكبر. فقط محمد صلاح امتلك الجرأة ليسعى إلى إعادة كتابة التاريخ، والأهم أنه نجح في ذلك، مضيفاً فصلاً جديداً إلى إرثه الكروي في كل مرة.
ولهذا، بدا من الطبيعي أن يجد صلاح طريقاً جديداً إلى التاريخ خلال مواجهة مصر وأستراليا في دور الـ32 من كأس العالم 2026.
فبعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل 1-1 في مدينة دالاس، تقدم صلاح لتنفيذ ركلة الجزاء الثالثة لمصر، وهو يعلم أن إهدارها سيمنح أستراليا فرصة العودة إلى المنافسة، خاصة بعد أن أهدر المدافع الأسترالي هاري سوتار إحدى الركلات سابقاً.
في مثل هذه اللحظات، قد ينهار بعض اللاعبين تحت ضغط المسؤولية، بينما يختار آخرون تسديد الكرة بكل قوة أملاً في التسجيل.
لكن قائد منتخب مصر فعل شيئاً مختلفاً تماماً.
عدل واقيات ساقيه، ونفخ خديه بهدوء، ثم نفذ ركلة “بانينكا” رائعة في منتصف المرمى، بينما ارتمى الحارس الأسترالي ماثيو رايان إلى أحد الجانبين، لتسكن الكرة الشباك وسط دهشة الجميع.
من الذي يملك الجرأة لفعل ذلك وهو يحمل آمال أمة كاملة على كتفيه؟
وبطبيعة الحال… فقط محمد صلاح.
وقال صلاح في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC Sport) بعد المباراة، عندما سُئل عن جرأته في تنفيذ الركلة:
“إذا كان هناك شخص سيفعلها، فسيكون أنا. أنا أكثر خبرة من الآخرين، وأردت أن أمنحهم الثقة. اتخذت القرار في اللحظة الأخيرة، وشعرت أنه كان عليّ أن أفعل ذلك.”
هذا النوع من الثقة بالنفس لازم صلاح منذ تطوره من لاعب لم ينجح في تشيلسي إلى أحد أعظم نجوم كرة القدم في العالم، وقد أثمرت هذه الثقة أمام أستراليا، حيث تأهلت مصر لأول مرة في تاريخها من مواجهة إقصائية في كأس العالم.
وقال صلاح:
“إنه تاريخ. قلت للاعبين قبل المباراة إن هذا أكبر مسرح يمكنكم اللعب عليه. استمتعوا بالمباراة ولا تدعوا الضغط يؤثر عليكم. أنا سعيد لأننا فزنا. حظ سيئ لأستراليا بعد خسارتها بركلات الترجيح، لكنني سعيد لأننا صنعنا التاريخ اليوم.”
وبالنسبة لمصر، فإن هذه البطولة أصبحت بالفعل واحدة من أعظم المحطات في تاريخها الرياضي.
فعلى الرغم من أن الفراعنة تُوجوا بكأس الأمم الأفريقية سبع مرات، فإنهم لطالما عانوا في كأس العالم.
وكان الفوز على نيوزيلندا بنتيجة 3-1 في دور المجموعات أول انتصار لمصر في تاريخ مشاركاتها بالمونديال منذ ظهورها الأول عام 1934.
والآن أصبحت مصر ثاني منتخب أفريقي فقط يفوز بركلات الترجيح في كأس العالم، بعد المغرب الذي حقق ذلك أمام إسبانيا في 2022 ثم أمام هولندا في 2026، كما أصبحت خامس دولة أفريقية تبلغ الأدوار الإقصائية، بعد الكاميرون (1990)، والسنغال (2002)، وغانا (2010)، والمغرب (2022 و2026).
وبغض النظر عما سيحدث لاحقاً، فإن هذا الصيف سيظل محفوراً في ذاكرة الرياضة المصرية.
لكن الفرصة لا تزال قائمة لمواصلة الحلم، إذ ينتظر مصر لقاء مرتقب أمام الأرجنتين في دور الـ16.
مواجهة محمد صلاح أمام قائد الأرجنتين ليونيل ميسي تُعد من أكثر المباريات إثارة في البطولة.
فقدرة ميسي الخارقة على حسم المباريات تضعه في مستوى مختلف عن معظم اللاعبين، لكن ذلك لا يعني أن صلاح يقلل من إمكاناته أو من فرصه.
شهد موسم صلاح الأخير كثيراً من التقلبات، خاصة بعد رحيله عن ليفربول في مايو، إذ أصبح لاعباً حراً بلا نادٍ.
وتعرض لانتقادات واسعة بسبب تراجع مستواه، وبدا أحياناً وكأنه بدأ يشعر بوطأة التقدم في العمر.
ومع ذلك، وبعد مباراة أستراليا، لم يصنع أي لاعب فرصاً أكثر منه في كأس العالم 2026، إذ صنع 16 فرصة، متساوياً مع البلجيكي لياندرو تروسارد.
وكانت مشاركة صلاح أمام أستراليا محل شك بسبب إصابة في أوتار الركبة تعرض لها أمام إيران، لكنه أكمل المباراة كاملة لمدة 120 دقيقة، وأظهر قوة بدنية وذهنية كبيرة عندما نفذ ركلة الترجيح بنجاح.
كما أنهى اللقاء بثماني لمسات داخل منطقة الجزاء، وهو أعلى رقم بين جميع اللاعبين في المباراة.
وكان قريباً أيضاً من صناعة هدف الفوز، بعدما أرسل عرضية رائعة إلى رامي ربيعة، لكن الحارس الأسترالي باتريك بيتش تصدى لها ببراعة في الدقيقة 94.
بعد صافرة النهاية، كان صلاح محور احتفالات المنتخب المصري، وشوهد مرتدياً غطاء رأس مستوحى من الملك توت عنخ آمون وهو يحتفل مع زملائه داخل الملعب.
لكن قبل ذلك، توقف للحظات ليصفق للجماهير، ثم دار حول الملعب في جولة شرف، وكانت الدموع واضحة في عينيه.
وكان من الصعب ألا يربط البعض تلك المشاعر العارمة بحقيقة أن يوم الخميس وافق مرور عام كامل على وفاة زميله السابق في ليفربول، ديوغو جوتا، وشقيقه أندريه سيلفا، في حادث سير.
وكان صلاح قد وصف تلك المأساة في وقت سابق من العام بأنها:
“أصعب فترة مررنا بها في حياتنا.”
وهو تذكير مؤثر بأن الصعوبات التي واجهها داخل الملعب ربما كانت مرتبطة أيضاً بما عاشه خارجه.
ورغم كل ذلك، لا يزال محمد صلاح منافساً شرساً، وستكون مهمته الآن إضافة فصل جديد إلى مسيرة استثنائية.
فالأرجنتين، بقيادة ليونيل ميسي وحاملة لقب كأس العالم، ستكون في انتظاره في مدينة أتلانتا يوم الثلاثاء، وهي المرشحة الأوفر حظاً للتأهل إلى ربع النهائي.
أما تحقيق مفاجأة مدوية أمام بطل العالم فهو أمر يبدو بعيد المنال بالنسبة لمعظم اللاعبين.
لكن… ربما فقط محمد صلاح يستطيع أن يجعل ذلك الحلم حقيقة.