عودة باراغواي الملهمة إلى كأس العالم تُتوَّج بالنجاح
بعد 28 عاماً… باراغواي تعود لتكتب قصة مقاومة جديدة في كأس العالم
مرّ ما يقرب من 28 عاماً منذ أن اقترب منتخب باراغواي من تغيير مسار تاريخ كرة القدم في القرن الحادي والعشرين.
على أرضه، وأمام جماهيره، كان المنتخب الفرنسي في كأس العالم 1998 يعاني بشدة أمام التنظيم الدفاعي الصلب لباراغواي، التي اعتادت على تقديم عروض قتالية قائمة على الصلابة والانضباط.
كان المنتخب الباراغواياني متراجعاً إلى مناطقه الدفاعية، يصد موجة تلو الأخرى من الهجمات الفرنسية، ويحاول بين الحين والآخر شن هجمات مرتدة خجولة.
كان ذلك نموذجاً مألوفاً لمنتخب يفخر بروحه القتالية العالية.
وقبل ست دقائق فقط من الوصول إلى ركلات الترجيح، حيث كان الحارس الأسطوري خوسيه لويس تشيلافيرت قد يمنحهم أفضلية نفسية، جاءت الضربة القاضية عبر المدافع الفرنسي لوران بلان الذي سجل أول “هدف ذهبي” في تاريخ كأس العالم، ليقود فرنسا إلى نصف النهائي، ومن ثم إلى التتويج باللقب العالمي.
وبعد أسابيع قليلة، أصبحت فرنسا بطلة للعالم، لتبدأ حقبة جديدة من الثقة والتألق في تاريخها الكروي.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، تعود باراغواي إلى كأس العالم، وهذه المرة في نسخة 2026، لتواجه تحديات جديدة في مدينة فيلادلفيا الحارة.
فرنسا الحالية تبدو أكثر قوة من نسخة 1998، بفضل وفرة هائلة من المواهب الهجومية تحت قيادة المدرب ديدييه ديشان، الذي يعرف جيداً كيف يدير مجموعة من النجوم العالميين.
أما باراغواي، فهي تبدو كما كانت دائماً: فريق لا يتغير في جوهره، قد يكون أقل قوة على الورق، لكنه يرفض أن يُهزم بسهولة.
وقد دخل المنتخب البطولة بروح عالية بعد إقصاء تاريخي لألمانيا في مباراة سابقة، وهو انتصار أعاد الثقة للفريق ولجماهيره.
وقال المدرب غوستافو ألفارو قبل مواجهة ألمانيا:
“جئنا هنا لننافس، لا لنبحث فقط عن النتائج. لاعبونا تغلبوا على الصعاب، وأثبتوا أن كرة القدم لا تعتمد على حجم الأموال في البلد. شعبنا ينهض دائماً من الأزمات، ونريد أن نعكس هذه الروح على أرض الملعب.”
لكن البداية لم تكن مثالية.
ففي المباراة الافتتاحية أمام الولايات المتحدة، تلقى المنتخب خسارة ثقيلة 4-1، كاشفة عن مشكلات واضحة في الخط الخلفي، خصوصاً أمام الحركة الجماعية والهجومية السريعة للمنتخب الأمريكي.
انهارت المنظومة الدفاعية المعهودة، وبدت خطوط باراغواي غير قادرة على مجاراة الإيقاع العالي للمباراة.
وكانت الخسارة مؤلمة، ليس فقط في النتيجة، بل في غياب الروح الفردية التي اعتاد عليها الفريق.
لكن الرد جاء سريعاً.
أعاد ألفارو ترتيب الفريق بين الشوطين، وعادت باراغواي إلى هويتها المعتادة أمام تركيا: دفاع شرس، انضباط تكتيكي، وروح قتالية عالية، انتهت بتعادل سلبي بعد مباراة صعبة.
ثم كرر الفريق الأداء ذاته أمام ألمانيا، في مباراة أثبت فيها قدرته على الصمود تحت الضغط والخروج بنتيجة تاريخية.
ويُحسب للمدرب الأرجنتيني أنه أعاد بناء هوية المنتخب خلال عامين فقط، مستعيداً الروح القتالية التي لطالما ميّزت الكرة الباراغوايانية.
وقد ذكّر لاعبيه دائماً بأحلام الطفولة: اللعب في كأس العالم، وارتداء القميص الوطني، وتمثيل البلاد على أكبر مسرح كروي في العالم.
وتبرز في هذا الفريق أسماء مثل أندريس كوباس، الذي لا يتوقف عن قطع الكرات، وماتياس غالارزا الذي جمع بين العمل الدفاعي وتسجيل الأهداف وصناعة اللعب، إضافة إلى ميغيل ألميرون بسرعته وخبرته.
لكن الشكوك لا تزال قائمة حول القدرة الهجومية، خصوصاً مع عدم وضوح مستوى المهاجمين، في وقت تنتظر فيه المواجهات الكبرى أمام منتخبات مثل فرنسا.
ورغم ذلك، فإن باراغواي وصلت بالفعل إلى إنجاز كبير بإقصاء ألمانيا، وهو ما أعاد إليها الاحترام على الساحة العالمية.
لكن السؤال الآن: هل يمكن لهذا الأسلوب الدفاعي الصلب أن يصمد أمام قوة هجومية مثل فرنسا ونجومها؟
الإجابة ستحدد إلى أين يمكن أن تصل هذه النسخة من باراغواي… لكن المؤكد أنها عادت لتذكّر العالم بروحها القديمة:
القتال أولاً، والنتيجة لاحقاً.